مقترح خطبة
قلوبكم لعلكم تتقون أيها الصائمون
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد،
غاية الصيام التقوى:
فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن أعظم ما يُصلح العبد قلبه، وأن أعظم مدرسةٍ لتزكية القلوب هو شهر الصيام. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فغاية الصيام ليست الجوع والعطش، وإنما التقوى… والتقوى – عباد الله – محلها القلب.
فالصيام ليس إمساكًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو إمساك القلب عن المعصية، وإمساك اللسان عن الغيبة، وإمساك العين عن الحرام، وإمساك الجوارح كلها عما يغضب الله… فيا أيها الصائم، إن لم يتغير قلبك، ولم تلن نفسك، ولم تخشع جوارحك، فماذا حققت من الصيام؟
أيها الصائم كن تقيا نقيا، لقد قال ربنا (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، تتَّقون… لم يقل: لعلكم تجوعون… لم يقل: لعلكم تعطشون… بل قال( تَتَّقُونَ) وأوكد فأقول:التقوى ليست كلمة تقال، ولا مظهرًا يُرى، ولا لباسًا يُلبس، التقوى خلق يسكن القلب ويظهر على الجوارح، روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ… إذن القضية ليست في امتناع الجسد فقط…
القضية في إصلاح القلب. فإذا صلح القلب صلحت العين… إذا صلح القلب صلح اللسان و صلحت الجوارح كلها.
الصيام والتقوى دواء لكل داء:
عباد الله، إن من أعظم أمراض القلوب: قسوة القلب… الرياء… الحسد… الغفلة… والصيام دواءٌ لكل ذلك. إنهيكسر الكبر ويربي على الإخلاص؛ نعم فالجوع يُذكّرك بضعفك، ويُذكّرك بحاجتك إلى ربك، ويجعلك تستشعر حال الفقير والمسكين، فلا تتعالى، ولا تتكبر.، وذلك لأن الصيام عبادة سرّ بينك وبين الله، لا يراك فيه إلا الله، روى الشيخان قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ”،
قلبك قلبك أيها الصائم:
أيها الإخوة: إن التقوى ليست كلمة تُقال، بل هي حال ومراقبة واستحيا؛ حال قلب، ومراقبة عمل، واستحياء من الله. ولذلك فاسأل نفسك: هل ستخرج من صيامك بقلبٍ أنقى؟ هل سامحت من ظلمك؟ هل تركت ذنبًا كنت تُصرّ عليه؟
أذكرك أيها الأخ الكريم بأنها الغاية من الصيام (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)،ليست الغاية أن نجوع؛ ليست الغاية أن نعطش ونظمأ، ليست الغاية أن نسهر الليالي؛ بل الغاية: أن تتغير القلوب! وبها تتغير الأعمال من السيء إلى الحسن، ومن الحسن إلى الحسن، ونحن نقول: لقد جاء رمضان جاء ليهز القلوب الغافلة، ليوقظ الأرواح النائمة، ليعيدك إلى الله من جديد!
أيها الإخوة الصائمون: القضية ليست في المعدة، القضية في القلب، روى الشيخان: “أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ”، ولهذا فإن رمضان جاء ليعالج قلبك، نعم يعالج قلبًا أثقلته الذنوب، قلبًا قسته الدنيا، قلبًا شغلته الشهوات… رمضان يقول لك: عُد إلى الله.. افتح المصحف بقلبٍ حاضر… ابكِ بين يدي الله في السجود… ارفع يديك في جوف الليل وقل: يا رب أصلح قلبي!. لقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:” وأسألك قلبا سليما”، أتدرون لماذا لأنه لا نجاة يوم القيامة إلا لصاحب القلب السليم، وقد جاء على لسان خليل الرحمن: { وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 87 – 89]، واعلم أنك إن حزت القلب السليم فقد صرت في دائرة أفضل الناس، وقد روى ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ» ، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ، نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ»، فوالله لا نحوز الدرجات العلا في رمضان إلا بالقلب السليم؛ ألا فطهروا قلوبكم وأفئدتكم قبل أن تصوم أفواهكم وقلوبكم.
لا تقوى حقيقة مع الحرص على المعصية:
يا أيها الصائم: أي صيامٍ هذا إن امتنعت عن الطعام ولم تمتنع عن الغيبة؟ أي صيامٍ هذا إن جعت نهارًا وأطلقت لسانك في أعراض المسلمين؟ ألم تسمع إلى «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، إنها صورة مرعبة، إنه تهديد بنقصان أجر الصائم، بل قد يضيع الأجر والثواب كلما زادت الذنوب وكثرت…
إن هدف رمضان أن تخرج بقلبٍ (مخموم) بقلب تقي نقي، أتدري لماذا؟ لأن الله بنظر إلى قلبك لا إلى نسبك ولا جنسك، روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»،
أيها الإخوة: لقد مرت أيام وليالي من رمضان فكيف قلبك أخي الآن؟ هل رقَّ بعد قسوته؟ هل بكى بعد جفافه؟ هل عاد إلى الله بعد طول غفلة؟
القلوب تتقلب فاحرص على دينك:
أيها الصائمون: لقد روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ”، أتدري ما معنى جنة؟ إنه وقاية للبدن من المعاصي، وللقلوب من من الذنوب، ولتتذكر أيها الأخ الكريم أن القلوب تتقلب، فاحرص أن يكون قبلك قريبا من الله وسل الله الثبات، روى مسلم عن عَبْد اللهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، نعم هكذا القلوب، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم : «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ» ({واه مسلم).
رمضان فرصة لتبيض القلوب وثباتها:
أيها الصائمون لقد صح في الحديث أن القلوب إما بيضاء نقية أو سوداء مظلمة، روى مسلم عن حُذَيْفَة قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ».
إذن هما قلبان: إما أبيض وإما أسود؛ ورمضان فرصة لأن تبيض قلبك، فتزيل منه النكت السوداء، والمعاصي المظلمة، بيضه بالحسنات والطاعات، بدموع توبة، وخشوع سجدة، وحسن قيام، وخفاء صدقة…
الخاتمة:
أيها الصائمون: صيامكم أمانة، وقلوبكم أمانة، ورضان أمانة، فتجنبوا الذنوب والمعاصي، واخلصوا النوايا لله، واجعلوا لكم طاعة مخفية تضيء قلوبكم في الدنيا وقبوركم في البرزخ ووجوهكم يوم القيامة…