1. السلام عليكم، ونفع الله بكم، لي سؤال، وهو: ما الغرض من صلاة الجماعة؟ وإذا كان الغرض هو الاجتماع فنحن نجتمع في أماكن كثيرة!! أفيدونا مشكورا مأجورا…. 

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين؛

أما بعد،

فلا شك أن صلاة الجماعة لم يقصد منها مجرد الاجتماع وإلا ذلك حاصل من القديم في المجالس والبيوت والمناسبات والأسواق، وأكثر منه الآن في النوادي والمقاهي والمتنزهات، ولكن شتان بين اجتماع واجتماع، لكن اجتماع الصلاة تتلاقى فيه الوجوه وتتلاصق فيه الأبدان وتتصافح فيه الأيدي وتناجي فيه القلوب ربا واحدا خلف إمام واحد، مما تتحقق به الألفة وتحصل به الوحدة، ويحدث الاتفاق في الرأي والفكر؛ وهذا هو المفترض والمظنون.

وفي ضوء هذا يفهم ما رواه مسلم عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: «اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ»، وهذا يعني أن صلاة الجماعة تدعو إلى اتحاد صفوف المسلمين وجمع قلوبهم، ودعوة إلى وحدة كلمتهم، وقد روى أحمد عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: فِي قَرْيَةٍ دُونَ حِمْصَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لَا يُؤَذَّنُ وَلَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ الذِّئْبَ يَأْكُلُ الْقَاصِيَةَ” قَالَ زَائِدَةُ: قَالَ السَّائِبُ: يَعْنِي بِالْجَمَاعَةِ: الصَّلَاةَ فِي الْجَمَاعَةِ… (رواه أحمد (21710) وقال محققو المسند: إسناده حسن).

ولهذا فقد وصف الله أصحاب مسجد الضرار بأن من مقاصد مسجدهم التفريق بين المسلمين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ} [التوبة: 107]، قال ابن العربي: يعني أنهم كانوا جماعة واحدة في مسجد واحد، فأرادوا أن يفرقوا شملهم في الطاعة، وينفردوا عنهم للكفر والمعصية، وهذا يدلك على أن المقصد الأكثر والغرض الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب، والكلمة على الطاعة، وعقد الذمام والحرمة بفعل الديانة، حتى يقع الأنس بالمخالطة؛ وتصفو القلوب من وضر الأحقاد والحسادة… (أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (2/ 582).

  • الغرض من صلاة الجماعة:

أما الغرض من صلاة الجماعة؛ فليس غرضا واحدا؛ بل أغراضا متعددة، وأهدافا كثيرة، وأذكر منها:

  1. تحصيل الأجر الكبير، وقد جاءت أحاديث كثيرة في هذا، ومنها:
    1. روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ…”.
    1. روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ غَدَا إِلَى المَسْجِدِ وَرَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ».
  2. التربية على النظام، وقد أحسن من قال: ( وهل رأيت نظاما أكمل وأجمل من صفوف الجماعة، وقد وقفت مستقيمة فلا عوج، متلاصقة فلا فرجة: المنكب إلى المنكب، والقدم إلى القدم، ينذرهم إمامهم بأن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج، ويعلمهم أن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة وتمامها…) (العبادة في الاسلام (10/ 19).
  3. التعليم والتثقيف، يقول صاحب كتاب (العبادة في الإسلام): وما كان المسجد في فجر الإسلام إلا جامعة شعبية للتثقيف والتهذيب، وبرلمانا محليا للتشاور والتفاهم، ومجمعا للتعارف والتحاب، ومعهدا للتربية العملية الأساسية (العبادة في الاسلام (10/ 21)
  4.  التدريب على المبادئ الكبرى لسعادة البشرية وقيام الدول، والتي هي الإخاء والحرية والمساواة، فالمسجد كما قيل: (برلمان دائم)؛ وأي برلمان كهذا المسجد، ونوابه هم:{التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} [التوبة: 112] برلمان يعرض فيه الحاكم سياسته، ويحدد منهجه ويناقشه الشعب ويستجوبه بلا حجر ولا خوف… (العبادة في الإسلام (10/ 22).
  5.  التعارف والتآلف، فلقد دعا الإسلام أبناءه إلى الجماعة (ليتعارفوا فلا يتناكروا، ويتقاربوا فلا يتباعدوا، ويتحابوا فلا يتباغضوا، ويتصافوا فلا يتشاحنوا) … (العبادة في الاسلام (10/ 22).

هذا؛ والله تعالى أعلم

لجنة الفتوى والبحوث العلمية