رمضان… بدايةٌ مُحرِقة ونهايةٌ مُشرِقة
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين؛
أما بعد
أيها الإخوة الكرام: فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم في شهرٍ عظيم، شهرٍ ليس كسائر الشهور، بل هو ميدان سباق، ومدرسة إيمان، ومحرقة ذنوب.؛ نعم: لا بد لرمضان من بداية مُحرِقة لتكون له معها نهاية مُشرِقة.
- لماذا البداية المحرقة في أول رمضان؟
أما ضرورة البداية المُحرِقة، فلأن رمضان جاء ليحرق فينا كل ما ران على قلوبنا من ذنوبٍ وغفلات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فغاية الصيام ليست الجوع والعطش، وإنما التقوى… أي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية.
أيها الأخوة عندما يدخل رمضان، يشعر الواحد منا بثقل التغيير… تغيير في نظامه، في نومه، في طعامه، في عاداته. النفس التي اعتادت السهر على ما لا ينفع، تُجبر على قيام الليل. والعين التي ألفت النظر إلى الحرام، تُؤمر بالغض. واللسان الذي تعوّد الغيبة، يُلزَم بالصمت أو الذكر.
إن البداية المحرقة تتحقق عندما يؤذن الفجر وأنت تمسك عن الطعام والشراب، فأنت تعلن حربًا على نفسك. عندما تقوم الليل والناس نيام، فأنت تعلن ولاءك لله وحده. عندما تكظم غيظك وأنت قادر على الرد، فأنت تنتصر على شيطانك، وتعلن ما أنت فيه فتقول: إني صائم إن صائم، روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ”.
- أحرقوا الران من بداية رمضان:
أيها المؤمنون: إن للذنوب آثارًا ثقيلة: قسوة في القلب، ضيقًا في الصدر، تعسيرًا في الأمور، وحجابًا بين العبد وربه. قال تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]، وروى مسلم عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الْفِتَنَ؟ فَقَالَ قوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ،حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ».
أيها الأخوة الكرام، لقد جاء رمضان، ويكفينا في مجيئه ما رواه أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَ رَمَضَانُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” قَدْ جَاءَكُمْ رَمَضَانُ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ الشَّيَاطِينُ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا، فَقَدْ حُرِمَ “. لقد جاء رمضان بخيره ليزيل هذا الرَّان الذي تراكم على القلوب، وقد يسأل سائل فيقول: وكيف يزيل رمضان هذا الران؟
والجواب: إن رمضان يزيل هذا الران بالصيام الذي يكسر الشهوة، وبالقيام الذي يحيي القلب، وبالقرآن الذي ينير البصيرة، وبالدمعة الصادقة في جوف الليل والتي تقرب العبد من الله، روى الشيخان ورويا عنه أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وفي الصحيحين أيضا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». تأملوا: مغفرةٌ لما تقدم… أي بداية جديدة، صفحة بيضاء.
- حتى تتحقق المغفرة لا بد من محرقة للذنوب:
أيها الإخوة المسلمون: إن رمضان يحرق عادةً سيئة لازمتك سنوات، يحرق خصومةً طال أمدها، يحرق تعلّقًا محرمًا، يحرق كِبرًا في القلب، يحرق تسويفًا طال في التوبة. إن الصيام مدرسة ضبط النفس. إذا استطعت أن تقول “لا” للطعام والشراب الحلال امتثالًا لأمر الله، فأنت قادر أن تقول “لا” للحرام أولى.
روى الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ “، إنه جنة، والجنة تعني أنه وقاية، سترٌ من النار، وحماية من المعاصي.
- المقصود بالبداية المحرقة:
أيها الإخوة المسلمون: ليس المقصود أن نحرق بطوننا بالجوع، بل أن نحرق قلوبنا بالشوق إلى الله، أن نحرق دموعنا ندمًا على التقصير، أن نحرق ساعات الليل ركوعًا وسجودًا، فمن لم يتغيّر في رمضان… فمتى يتغيّر؟ ومن لم يتب في رمضان… فمتى يتوب؟
إننا نريد بداية تقبل على القرآن ليل نهار، وعلى الذكار صباح مساء، وعلى إتقان العمل كل ساعة، وعلى رضا الوالدين كل لحظة، وعلى إخلاص النية لله مع كل نفس…
أتردون لماذا لأن من لم يحرق الران والعادات السيئة والذنوب والآثام في رمضان فقد وقعت عليه دعوة آمين السماء وآمين الأرض، روى البخاري في الأدب المفرد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَى الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ» ، قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا؟ فَقَالَ: ” قَالَ لِي جِبْرِيلُ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا لَمْ يُدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: آمِينَ. ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ عَبْدٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ. ثُمَّ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: آمِينَ”… فأي خسارة أعظم من أن يمر رمضان ولا نُغفر؟
أي خسارة أعظم من أن يمر عليك موسم المغفرة ولا تُغفر لك الذنوب؟
فلنبدأ بدايةً مُحرِقة: توبة صادقة، إخلاصًا في العمل، ردًا للحقوق، قطعًا للذنوب الخفية قبل الظاهرة. نحرق في رمضان: الغفلة بالذكر، والكسل بالقيام، والبخل بالصدقة، والقسوة بالقرآن، فكل ركعة تحرق خطيئة، وكل دمعة تمحو ذنبًا، وكل دعوة تُبدّل قدرًا.
- لا بداية محرقة ولا نهاية مشرقة بدون تخطيط:
أيها الأخ الكريم نظم وقتك، وخطط لشهرك، واجعل لنفسك وردا ثابتا في كل طاعة، فالورد ليس فقط في القرآن، وإنما اجعل وردا لكتاب ربك تلاوة، ووردا لأبويك طاعة وتقديرا، ووردا لزوجك مودة وحبا، ووردا لأولادك ألفة وأنسا، ووردا للناس تعارفا ودعوة، وإياك أن تهتم بشيء وتقصر في غيره، وقد روى الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا،”، وإياك والبداية الشديدة فقد تكسل بعدها، وقد حذرنا النبي من ذلك، روى أحمد عنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي، فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ “.
- لا بد للبداية المحرقة من نهاية مشرقة:
أيها الإخوة الكرام: وإذا كانت البداية مُحرِقة… فإن النهاية مُشرِقة. وإذا صبرنا على حرارة البداية…
أشرقت في قلوبنا أنوار النهاية…. إن رمضان شهر مبارك لا يريدك أن تخرج منه كما دخلت. يريدك بقلبٍ أنقى، ولسانٍ أصدق، وعينٍ أغضّ، وروحٍ أقرب.
النهاية المُشرِقة تكون في العشر الأواخر، حيث ختمة القرآن، وعبادة الاعتكاف، وليلة القدر التي قال الله فيها: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 3، 4]، تخيّلوا عبادة ثلاثٍ وثمانين سنة في ليلة واحدة! أي إشراقة أعظم من هذه؟
الإشراقة الحقيقية ليست في مظهرٍ جديد يوم العيد، بل في قلبٍ جديد يوم العيد. ستكون مع عتق من النار تحقق بعد أن زال الران وغفرت الذنوب وتبدلت الأحوال، ستكون النهاية المشرقة وفيها تعلق القلب بالمسجد، واللسان على الذكر، والأقدام على الجماعات، والأيدي على الصدقات…
هذا والحمد لله أولا وآخرا…