المقدمة: الحمد لله الحمد لله الذي وفق من شاء من عباده للطاعات، وفتح لهم أبواب القربات، الحمد لله الذي بلغنا رمضان وأعاننا فيه على الصيام والقيام، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، خير من صلى وصام وقام، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد،،

فيا عباد الله: مضى رمضان، وانقضت أيامه ولياليه، وطُويت صحائفه، وبقي السؤال الذي يؤرق قلوب الصالحين:
هل قُبلت طاعاتنا أم رُدت؟

اعلموا عباد الله أن قبول العمل ورده من الأمور التي يعلمها إلا الله، والفقهاء والعلماء لم يتكلموا إلا في الصحة والبطلان، أما القبول فهو أمر مرده إلى الله تعالى، ومع ذلك فإن الناس مشغولون بهذه القضية، ولهذا فإن العلماء تكلموا في علامات القبول فقط….

ولكن، عباد الله، جعل الله للقبول علامات يُستدل بها، فمن وجدها فليحمد الله، ومن لم يجدها فليجتهد ويتدارك نفسه، ومن هذه العلامات:

أولا: استمرار الطاعات: وهذا من أكبر علامات قبول الطاعات، لأن الحسنة تثمر حسنة، قال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف: 58]، يقول ابن رجب في كتابه (لطائف المعارف): من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها فعلامة قبولها أن يصلها بطاعة أخرى وعلامة ردها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها وأحسن منها بعد الحسنة تتلوها وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها… 

فالحسنة – عباد الله – تجر أختها، والطاعة تُنبت طاعة.؛ إذن المهم أن يواظب العبد على الطاعة حتى وإن قلّت، روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»، وروى مسلم  عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً… ومعنى أثبته: أي أتقَنَه وأَحْكمَ عَملَه فيه وداوَمَ عليه.

فلتعلم عبد الله أنه: ليس الشأن أن تجتهد في رمضان فقط، بل الشأن أن تثبت بعد رمضان.

ثانيا: حب الطاعة وكراهية المعصية: فإذا وجد المرء في نفسه إقبالا على العبادة وبغضا للمعصية وانشراحا للطاعة، ونفورا من المعصية؛ فليعلم أن ذلك من علامات القبول، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وقال جلّ شأنه: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7]. إن بغض المعصية بعض الطاعة من أكبر علامات القبول، يقول قال يحي بن معاذ: من استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إلى المعصية بعد الشهر ويعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول في وجهه مسدود.

فيا أيها العبد احذر – عبد الله – أن تعود إلى الذنب بعد الطاعة، فإنها من علامات الحرمان…

ثالثا: استصغار العمل: وهذا ديدن المسلم، فعمله مهما كان صغير، وما عمل العبد إلا رحمة من الله تعالى، قال جلّ شأنه: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، نعم على العبد أن يستصغر عمله، فهو وإن كبر لن يدخل صاحبه الجنة إلا إذا حالفه فضل الله تعالى، روى الشيخان عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “وَلاَ أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ..”. فالكرم كل الكرم أن اختارك الله لهذه الطاعة، وقد أحسن ابن عطاء الله حين قال: لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك وافرح بها لأنها برزت من الله إليك. والله جلّ وعلا قال لنبيه: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6].

فيا أيها المسكين إياك واستكبار العمل، إياك وتذكر ما كان من صيام أو قيام، أو صدقة أو إطعام، فما كان كان، الله اعلم به، فلا تذكره بل انساه، وسل الله أن يتولاك ويتولاه، يتولاك بالاستمرار، ويتولى عملك بالقبول…

رابعا: الخوف من عدم قبول العمل: وذلك لأن العبد قد يوفق للطاعة ولا يوفق للقبول، وذلك إذا فسدت القلوب والنوايا، يقول ابن عطاء الله: ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول وربما قضى عليك بالذنب فكان سبباً في الوصول. والخوف من عدم القبول صفة من صفات أهل الإيمان، روى الترمذي أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: ” لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61] ” (صححه الألباني). 

خامسا: التضرع إلى الله: نعم الدعاء والتضرع إلى الله أن يقبل عملك، فهذا يعني أنك مستعين به سبحانه متوكل عليه، وقد رأينا رسل الله يدعونه القبول، فهذا إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام يخبرنا عنهما وعما يبنيان الكعبة فيقول على لسانهما: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127]، وهذا سليمان عليه السلام يقول: { رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19]، وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوصي معاذا يدعو ربه بعد كل صلاة، روى أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: ” يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ “. فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ. قَالَ: ” أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ” (قال محققو المسند: إسناده صحيح). 

وأخيرا: بشرى للمداوم على الطاعة حتى وانقطع لسبب:  

نعم أزف هذه البشرى لمن حاول الاستمرار في الطاعة ثم حيل بينه وبينها لعارض كسفر أو مرض، حيث أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن عمله مستمر ما دام المانع خارج عن إرادته، روى البخاري عن أبي مُوسَى قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»، وهذا الخير لا يتأتي إلا لمن واظب على العمل ثم انقطع عنه دون إرادة أو قصد، بل يزيدنا الله جلّ وعلا كرما فيمع للعبد بين أجر الآخرة وراحة الدنيا، روى النسائي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ كَانَتْ لَهُ صَلَاةٌ صَلَّاهَا مِنَ اللَّيْلِ فَنَامَ عَنْهَا كَانَ ذَلِكَ صَدَقَةً تَصَدَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ” (صححه الألباني). 

اللهم تقبل منا الصيام والقيام، اللهم اجعلنا من المقبولين لا من المحرومين، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم ثبتنا على الطاعة، ولا تردنا إلى المعصية، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات؛ الأحياء منهم والأموات. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد…..