1. هل قضاء رمضان واجب على الفور أم على التراخي؟

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، أما بعد،،

فلا يجب قضاء رمضان على الفور، وإنما الواجب فقط هو القضاء بين الرمضانين، فوقتما فعله المرء سقط عنه، والجمهور على ذلك، ودليل عدم الفورية قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، فالمقصود أي أيام كانت، سواء كا ذلك بعد رمضان مباشرة أم بعده بأيام وحتى بأشهر. وقد روى الشيخان عن عائشة قالت: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ…

وهذا يعني:

  1. أن عائشة رضي الله عنها لم تقض أيامها إلا في شعبان.
  2. لو كان في ذلك مخالفة لأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بفورية الصوم. 
  3. وهذا يعني أن الصيام طيلة على التوسعة، وفي شعبان على التضييق لأن رمضان المقبل قد اقترب. 

وإن كان المستحب هو الإسراع في القضاء إبراء للذمة، فلا يعلم العبد ما في الغد، فقد يأتي المرض أو يشغل الإنسان، والله يقول: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان: 34].

  1. هل يجب التتابع في قضاء رمضان؟

فالمقصود بالتتابع: هو أن يقضي الإنسان ما عليه في أيام متتابعة دفعة واحدة دون انقطاع.

والصحيح أنه لا يجب التتابع في قضاء رمضان، وإنما يجوز صيامه في أيام متفرقات، وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء، جاء في الموسوعة الفقهية: مذهب الجمهور عدم اشتراط التتابع فيه… (الموسوعة الفقهية الكويتية (28/ 10).

ودليل عدم الفورية قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، والأيام الأُخر تطلق على الأيام المتتابعة والأيام المتفرقة. جاء في المسوعة الفقهية: ويُروى عن جماعة من الصحابة، منهم: علي، وابن عباس، وأبو سعيد، وعائشة، رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا: إن شاء تابع، وإن شاء فرق، ولو كان التتابع شرطا، لما احتمل الخفاء على هؤلاء الصحابة، ولما احتمل مخالفتهم إياه… (الموسوعة الفقهية الكويتية (28/ 10).

  1. ماذا على من آخّر الصيام حتى دخل عليه رمضان المقبل؟

 للعلماء في هذه المسألة قولان:

  1. القول الأول: إن كان مفرطا فعليه القضاء والفدية، وها قول الجمهور، والفدية بسبب التأخير، جاء في الموسوة الفقهية: ذهب الجمهور إلى أنه إن كان مفرطا فإن عليه القضاء مع الفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم… الموسوعة الفقهية الكويتية (10/ 10). واستدلوا بما رواه الدارقطني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , فِي رَجُلٍ مَرِضَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ صَحَّ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ , قَالَ:  «يَصُومُ الَّذِي أَدْرَكَهُ وَيُطْعِمُ عَنِ الْأَوَّلِ لِكُلِّ يَوْمٍ مَدًّا مِنْ حِنْطَةٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ , فَإِذَا فَرَغَ فِي هَذَا صَامَ الَّذِي فَرَّطَ فِيهِ» الدارقطني (3/ 179). ولكن هذا الحديث ضعيف. بل ذهب الشافعية في الأصح عند الشافعية أن الفدية تتكرر بتكرر السنين؛ لأن الحقوق المالية لا تتداخل… الموسوعة الفقهية الكويتية (10/ 10).
  2. القول الثاني: لا شيء عليه سوى القضاء، وهو قول الحنفية، واستدلوا بقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]، قال ابن الهمام: ولنا إطلاق قوله تعالى {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184] من غير قيد، فكان وجوب القضاء على التراخي فلا يلزمه بالتأخير شيء… (فتح القدير للكمال ابن الهمام (2/ 355).

الراجح: أنه لا شيء عليه سوى القضاء، لأمرين:

  1. لا دليل على على الفدية، وما استدلوا به فهو حديث ضعيف.
  2. ظاهر قوله تعالى { فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، حيث هذا يكون في وقت أتى به العبد.
  3. الأفضل أن يأتي المرء بما عليه فالأجال بيد الله تعالى، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} [لقمان: 34].
  4. قضاء رمضان أم صيام الـــــ 6 من شوال

لا شك أن الفرض دائما مقدم على النافلة من جنسه، روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ”، وجاء عن الصديق رضي الله عنه أنه قال: والله لا يقبل نافلة حتى تؤدَّى الفريضة.

والأصل كذلك أن النفل من صلاة أو صوم إما أن يكون قبل أو بعد الفريضة، والقبلية أو البعدية تكون بدليل، وقد اعتبر العلماء الصوم في شعبان بمثابة السنة القبلية، وأن صيام الستة من شوال هو بمثابة السنة البعدية، والأصل في السنة البعدية أنها لا تكون بعد الفريضة، وأن صيام الست من شوال لا يكون إلا بعد الانتهاء من صيام رمضان، وفي مسلم عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»، وحرف العطف (ثم) يدل على الترتيب، وهذا هو الأصل.

وللعلماء قولان: 

  1. جمهور العلماء (الأحناف والمالكية والشافعية) على أن صوم التطوع قبل قضاء رمضان جائز، والدليل على ذلك:
    1. هو كون قضاء رمضان ليس واجبا على الفور وإنما على التراخي.
    2.  روى مسلم عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالت: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ… قال ابن حجر: وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقا سواء كان لعذر أو لغير عذر. ((فتح الباري لابن حجر (4/ 191)).
  2. وذهب الحنابلة إلى عدم الجواز، وليس لهم من دليل يصح.

الراجح: والذي أراه راجحا:

  1. أن من كان عنده متسع من الوقت فليصم الفرض (قضاء رمضان) أولا ثم يأتي بعد ذلك بالست من شوال.
  2. أن من تعذّر عليه صيام الفرض ثم النافلة جاز له أن يصوم الست من شوال قبل قضاء ما عليه من رمضان، وذلك أن قضاء رمضان له وقت موسع، وأما الأيام الست من شوال فوقتها محدد…
  3. هل يجوز الجمع بين صيام الــ 6 من شوال وقضاء رمضان؟

فالحديث في هذه المسألة أبينه -مستعينا بالله- في نقطتين:

النقطة الأولى: التشريك في النية:

الجمع بين عملين بنية واحدة يسمى عند العلمااء بـــــــــ (التشريك في النية) ، وللعلماء في ذلك أقوال:

  1. إذا كانت العبادة مما يجوز فيه التداخل صح التشريك وجاز الجمع بين العبادتين بنية واحدة، كما في غسل الجنابة والجمعة بنية واحدة.
  2. إذا كانت إحدى العبادتين مقصودة والأخرى غير مقصودة جاز الجمع، كما في صلاة الفرض وتحية المسجد، فالأصل شغل المحل بالصلاة قبل الجلوس، وهذا يحصل بصلاة فريضة ظهر أو عصر، وكذلك صلاة الفرض وسنة الوضوء، فالمقصود هو أداء صلاة بعد الوضوء، فإن حصل ذلك بالفرض فقد تم.
  3. إذا كانت العبادتان (فرضا ونفلا، أو فرضا وفرضا) مقصودتين فلا يجوز إشراك النية، كصيام فرض (رمضان- نذر- كفارة)، فلا يجوز الجمع بينهما بنية واحدة، وإنما لا بد من صيام كل على حدة. وكذلك صلاة فرض ونافلة راتبة، كصلاة ظهر ونافلته، فلا يجوز تشريك النية، إذ كل منهما مقصود، وبه جاء دليل خاص على أدائه، وكلاهما عبادة مستقلة.

النقطة الثانية: الجمع بين نية رمضان والست من شوال:

وفي الجمع بين نية رمضان والست من شوال أقوال: 

  1. يجوز ويقع عن رمضان وعن التطوع: وبه قال المالكية: قال البدر: انظر لو صام يوم عرفة عن قضاء عليه ونوى به القضاء وعرفة معا فالظاهر أنه يجزئ عنهما…(شرح مختصر خليل (2/ 241).
  2. يجوز ويقع عن رمضان والتطوع لكن لا يحصل الأجر كاملا: وبه قال الشافعية، جاء في (تحفة المحتاج): ولو صام في شوال قضاء أو نذرا أو غيرهما أو في نحو يوم عاشوراء حصل له ثواب تطوعها… لكن لا يحصل له الثواب الكامل المرتب على المطلوب… (تحفة المحتاج (3/ 457).
  3. يقع عن رمضان فقط: وبه قال أبو يوسف جاء في (بدائع الصنائع): ولو نوى بصومه قضاء رمضان، والتطوع كان عن القضاء في قول أبي يوسف… (بدائع الصنائع (2/ 85).
  4. يجوز مع الكراهة لفوات صيام التطوع: وبه قال أحمد في رواية، قال ابن مفلح: ويباح قضاء رمضان في عشر ذي الحجة. وعنه: يكره. انتهى. والرواية الثانية يكره…(الفروع وتصحيح الفروع (5/ 114).
  5. لا يجوز وإن فعل يقع عن التطوع فقط (الست من شوال): لأن الفرض أقوى من التطوع، فيقع عن الأدنى لا عن الأعلى. 
  6. لا يجوز وإن فعل يكون لغوا: وبه قال ابن حزم، جاء في (المحلى): ومن مزج نية صوم فرض بفرض آخر أو بتطوع، أو فعل ذلك في صلاة أو زكاة، أو حج، أو عمرة، أو عتق -: لم يجزه لشيء من كل ذلك… (المحلى بالآثار (4/ 301).

سبب الخلاف: وسبب الخلاف أنه لم يرد في هذه المسألة نص صحيح صريح، بل ولا نص ضعيف يمكن التعويل عليه، ولذلك كانت الأقوال اجتهادت مبينية على قواعد وأصول، وهذا ما يختلف فيه من فقيه لآخر. 

الراجح: والذي أرجحه:

  1. أن صيام الست من شوال لا يجوز الجمع بينه وبين نية القضاء، لأن كلا منهما مقصود بذاته، رمضان بفرضيته، والست من شوال كذلك مقصودة بذاتها.
  2. إن صام المرء ونوى الجمع والتشريك بين صيام رمضان وشوال، فالصحيح أن هذا يقع عن رمضان.
  3. إن صام قضاء رمضان في شوال، فيرجى أن يحصل من ثواب الست، لكن ليس كمن صام شوال بنية خاصة.
  4. هل يجوز الجمع بين صيام الــ 6 من شوال وصيام الاثنين والخميس؟

فالسبب في صيام يومي الاثنين والخميس هو موافقة الصوم لرفع عمل العبد، روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ “، وعند الترمذي وصححه الألباني عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»، وصيام هذه الأيام ليس مقصودا لذاته، وإنما المقصود هو شغل هذه الأيام بصيام سواء كان فرضا أم نفلا،  وعلى ذلك فلا مانع من الجمع بين نية صيام الست من شوال ويومي الاثنين والخميس، لأنه تحصّل بصيام يوم من الست. 

ومن ثم فيرجى لمن جمع بين  الاثنين أو الخميس والست من شوال أن يحصل الأجرين، لتحقق الصوم في يومي الاثنين والخميس… وهذا هو المطلوب.. 

  1. هل يجوز الجمع بين صيام الــ 6 من شوال وصيام 13، 14، 15

فصيام ثلاثة أيام من كل شهر سنة نبوية، وهي على نوعين:

الأول: أي ثلاثة أيام، ومن الشهر.ومن ذلك:

  1. روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثٍ: «بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ».
  2. روى مسلم عن مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟» قَالَتْ: «نَعَمْ»، فَقُلْتُ لَهَا: «مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟» قَالَتْ: «لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ».

الثاني: أيام (13، 14، 15) من كل شهر:

روى أحمد عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا صُمْتَ مِنْ شَهْرٍ ثَلَاثًا، فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ ” (قال محققو المسند إسناده حسن). ومن ثم فالأفضل أن تكون هذه الأيام (13، 14، 15).

فالمقصود هو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهذا يتحقق بصيام الأيام الستة من شوال. 

ومن ثم فيرجى لمن جمع بين الثلاثة أيام البيض والست من شوال أن يحصل الأجرين، لتحقق الصوم في يومي الاثنين والخميس، وتحققه كذلك في الأيام البيض (13، 14، 15). 

  1. هل يجوز قضاء الست من شوال في غير شوال؟

الأصل أن يكون صيام الست في شهر شوال؛ روى مسلم عنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»، والحديث عند أحمد عَنْ أَبِي أَيُّوبَ -أيضا بلفظ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، فَذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ “.

 ولكن هل يجوز للإنسان أن يصوم هذه الأيام في غير شوال؟

للعلماء في ذلك أقوال:

  1. القول الأول: لا يصح صومها إلا في شوال، ولا يشرع قضاؤها، وهذا ما نصت عليه الأحاديث، وهو المذهب عند الحنابلة وغيرهم، قال البهوتي: ولا تحصل الفضيلة بصيامها، أي الستة أيام في غير شوال… (كشاف القناع (2/ 338). 
  2. القول الثاني: جواز صيامها في شوال وغير شوال، والأجر واحد، وهو ما ذهب إليه بعض المالكية والحنابلة، واعتبر ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الصيام في شهر شوال من باب التيسير والتخفيف، قال العدوي: وإنما قال الشارع من شوال للتخفيف باعتبار الصوم لا تخصيص حكمها بذلك الوقت… والحاصل أن كل ما بعد زمنه كثر ثوابه لشدة المشقة… (شرح مختصر خليل (2/ 243)). 
  3. القول الثالث: جواز صومها ولا يستوي الأجر مع من صامها في رمضان، قال ابن حجر: من صامها مع رمضان كل سنة تكون كصيام الدهر فرضا بلا مضاعفة، ومن صام ستة غيرها كذلك تكون كصيامه نفلا بلا مضاعفة…. (تحفة المحتاج (3/ 457).

الراجح: 

  1. أن من فاتته لعذر جاز له صومها في غير شوال، ويكون ذلك قضاء لها، ولعل الله تعالى يعطه الأجر كل الأجر لحصول العذر لديه، ويؤيد هذا ما رواه البخاري عن أبي مُوسَى قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا».
  2. من أراد قضاء ولم يكن عنده عذر فله الصوم ولن يضيع أجره عند الله تعالى. 
  3. هل قال الإمام مالك صيام الست من شوال بدعة؟

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين،،، 

أما بعد،،

فينبغي على طالب العلم حين يعرض قولا في مسألة ألا يغفل بقية الآراء،   وسأجيب على ذلك في نقاط:

  1. صوم الستة أيام من شوال وارد بالأدلة الصحيحة: روى مسلم عنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ».
  1. أقوال الفقهاء في صيام الست:
    1. سنة: وبه قال الجمهور في القديم وفي الحديث: قال ابن قدامة: صوم ستة أيام من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم… (المغني (3/ 176).
    2. مكروه: وبه قال مالك: قال ابن قدامة: وكرهه مالك وقال: ما رأيت أحدا من أهل الفقه يصومها… (المغني (3/ 176).
  2. لماذا أنكرها مالك؟ أما إنكار مالك فيجاب عن ذلك بما يلي:
  1. أنه ربما لم يبلغه ما جاء في صيام الأيام الست ومنهاحديث أبي أيوب الذي رواه مسلم.
  2. أن ما كرهه مالك هو صوم هذه الأيام متتابعة بعد رمضان مباشرة فيظن الناس ممن لا علم له أن ذلك من رمضان.
  1. كبار علماء المالكية يقرون بصيام الست من شوال ويعتذرون لمالك: وهذا ابن عبد البر يبين سنية صيام الست من شوال، ويبين أن مذهب مالك جواز الصوم، والمكروه عنده التتابع مخافة ظنها فرضا فيقول: لم يبلغ مالكا حديث أبي أيوب… والذي كرهه له مالك أمر قد بينه وأوضحه، وذلك خشية أن يضاف إلى فرض رمضان، وأن يستبين ذلك إلى العامة وكان رحمه الله  متحفظا كثير الاحتياط للدين… (الاستذكار (3/ 380).
  2. نحن مطالبون باتباع نبي مالك لا مالك: وهنا ينبغي عند الاختلاف الرجوع إلى كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]، وقد أثر عن الأئمة جميعا أنهم أوصوا باتباع الكتاب والسنة إذا كان فيهما ما يخلف أقوالهم.
  3. ما علامات قبول أعمالي في رمضان؟

قبول العمل ورده من الأمور التي يعلمها إلا الله، والفقهاء والعلماء لم يتكلموا إلا في الصحة والبطلان، أما القبول فهو أمر مرده إلى الله تعالى، ومع ذلك فإن الناس مشغولون بهذه القضية، ولهذا فإن العلماء تكلموا في علامات القبول فقط، ومن هذه العلامات:

  1. استمرار الطاعات: وهذا من أكبر علامات قبول الطاعات، لأن الحسنة تثمرة حسنة، قال تعالى: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا} [الأعراف: 58]، يقول ابن رجب: من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها فعلامة قبولها أن يصلها بطاعة أخرى وعلامة ردها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها وأحسن منها بعد الحسنة تتلوها وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها… لطائف المعارف لابن رجب (ص: 224). المهم أن يواظب العبد على الطاعة حتى وإن قلّت، روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»، وروى مسلم  عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ، أَوْ مَرِضَ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً… ومعنى أثبته: أي أتقَنَه وأَحْكمَ عَملَه فيه وداوَمَ عليه.
  2. حب الطاعة وكراهية المعصية: فإذا وجد المرء في نفسه إقبالا على الطاعة وبغضا للمعصية فليعلم أن ذلك من علامات القبول، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وقال جلّ شأنه: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7]. إن بغض المعصية بعض الطاعة من أكبر علامات القبول، يقول قال يحي بن معاذ: من استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إلى المعصية بعد الشهر ويعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول في وجهه مسدود.
  3. استصغار العمل: وهذا ديدن المسلم، فعمله مهما كان صغير، وما عمل العبد إلا رحمة من الله تعالى، قال جلّ شأنه: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، نعم على العبد أن يستصغر عمله، فهو وإن كبر لن يدخل صاحبه الجنة إلا إذا حالفه فضل الله تعالى، روى الشيخان عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “وَلاَ أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ..”. فالكرم كل الكرم أن اختارك الله لهذه الطاعة، وقد أحسن ابن عطاء الله حين قال: لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك وافرح بها لأنها برزت من الله إليك. والله جلّ وعلا قال لنبيه: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6].
  4. الخوف من عدم قبول العمل: وذلك لأن العبد قد يوفق للطاعة ولا يوفق للقبول، وذلك إذا فسدت القلوب والنوايا، يقول ابن عطاء الله: ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول وربما قضى عليك بالذنب فكان سبباً في الوصول. والخوف من عدم القبول صفة من صفات أهل الإيمان،روى الترمذي أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: ” لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61] ” (صححه الألباني). 
  5. التضرع إلى الله: نعم الدعاء والتضرع إلى الله أن يقبل عملك، فهذا يعني أنك مستعين به سبحانه متوكل عليه، وقد رأينا الله يدعونه القبول، فهذا إبراهيم وولده إسماعيل عليهما السلام يخبرنا عنهما وعما يبنيان الكعبة فيقول على لسانهما: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127]، وهذا سليمان عليه السلام يقول: { رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19]، وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يوصي معاذا يدعو ربه بعد كل صلاة، روى أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: ” يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ “. فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ. قَالَ: ” أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ” (قال محققو المسند: إسناده صحيح). 
  6. بشرى للمداوم على الطاعة حتى وانقطع لسبب:  

  وأخيرا فأزف هذه البشرى لمن حاول الاستمرار  في الطاعة ثم حيل بينه وبينها لعارض كسفر أو مرض، حيث أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن عمله مستمر ما دام المانع خارج عن إرادته، روى البخاري عن أبي مُوسَى قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَرِضَ العَبْدُ، أَوْ سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»، وهذا الخير لا يتأتي إلا لمن واظب على العمل ثم انقطع عنه دون إرادة أو قصد، بل يزيدنا الله جلّ وعلا كرما فيمع للعبد بين أجر الآخرة وراحة الدنيا، روى النسائي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ كَانَتْ لَهُ صَلَاةٌ صَلَّاهَا مِنَ اللَّيْلِ فَنَامَ عَنْهَا كَانَ ذَلِكَ صَدَقَةً تَصَدَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ لَهُ أَجْرَ صَلَاتِهِ” (صححه الألباني).