الحج بين التفريط والغفلة

رسالة إلى حجاج كل عام، وإلى القادر الذي لم يحج!

الحمد لله الذي فرض الحج على المستطيعين، وجعله ركناً من أركان هذا الدين، نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

فيا عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإنها زاد الراحلين، وعدّة المتقين.

أيها المسلمون، حديثنا اليوم عن فريضة عظيمة، وركن جليل، إنها فريضة الحج… تلك الشعيرة التي تهفو إليها القلوب، وتشتاق إليها الأرواح.

معلوم أن الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو الشعيرة الرابعة من شعائره الكبرى، ويأتي ترتيبه بعد الصلاة، والزكاة، والصيام ليكون متمماً لهذه الأركان الثلاثة.

وفي خطبتنا هذه سأوجه رسالتين إلى نوعين من الناس: الأولى: لكل قادر ولم يزر بيت الله إلى الآن. والثانية: لكل زائر لبيت الله في كل عام.

الرسالة الأولى: لماذا لا تحج؟

وهي رسالة إلى كل صحيح قادر. إلى كل من زاده الله بسطة في المال والجسم.

إلى كل من منّ الله عليه بنعمة المال ونعمة الصحة ونعمة الأمن.

إلى كل من كثر ماله وطال عمره. إلى هؤلاء جميعاً أقول: ألم تهف نفسك لرؤية بيت الله العتيق؟ ألم تستمع إلى قول الله تعالى:  وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (الحج 27 ).

ألا تريد أن تلبي نداء أبيك إبراهيم؟ ألم تسمع قوله تعالى:  وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ (الحج 30 )؟

ألم تسمع قوله صلى الله عليه وسلم وهو يؤكد فريضة الحج فيقول: ” إن الله فرض عليكم الحج فحجوا ” (رواه مسلم).

عبد الله، يا قادرا ولم يحج، هل تعلم فضل الحج؟ أم أراك غافلاً عنه؟ اسمع إلى هذه الأحاديث المباركة، وتأمل ما جاء فيها على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وأسرع إلى الحج لتنل هذا الثواب العظيم.

لقد أخبرنا أن الحج يمحو الذنوب فقال:” من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه” (متفق عليه). وقال لعمرو بن العاص عند إسلامه حين قال: أردت أن أشترط. قال: تشترط ماذا؟ قال: أن يغفر لي. قال: أما علمت يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ (رواه مسلم).

والحاج يعد وافدا على الله، فعن جابر قال: قال رسول الله : ” الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم ” (رواه البزار). وأخبرنا صلى الله عليه وسلم أن جزاء الحج ليس إلا الجنة فقال: ” العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ” (متفق عليه). ومن أروع ما جاء في فضل الحج ما رواه الطبراني في الكبير عن ابن عمر قال: كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد منى، فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسلما، ثم قالا: يا رسول الله جئنا نسألك. فقال: ” إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت “. فقالا: أخبرنا يا رسول الله. فقال الثقفي للأنصاري: سل. فقال: أخبرني يا رسول الله. فقال: ” جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك فيه، وعن نحرك وما لك فيه مع الإفاضة “. فقال: والذي بعثك بالحق لَعَنْ هذا جئت أسألك. قال: ” فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لا تضع ناقتك خفا ولا ترفعه إلا كتب الله لك به حسنة، ومحا عنك خطيئة، وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل عليه السلام، وأما طوافك بالصفا و المروة كعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة، يقول: عبادي جاؤوني شعثا من كل فج عميق، يرجون جنتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، أو كقطر المطر، أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم ولمن شفعتم له، وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات، وأما نحرك فمذخور لك عند ربك، وأما حلاقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة ويمحى عنك بها خطيئة، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف ولا ذنب لك ؛ يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك فيقول: اعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى”. بل للحج منافع دنيوية أيضا كدفع الفقر وذهاب الفاقة، وقد روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب ؛ كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة “.

فيا كل قادر رجلا كان أم امرأة، لقد أعطاك ربك من غير سؤال، وطلب منك الشكر ليعطيك المزيد، وقال سبحانه: { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}( إبراهيم: 7. والله إنك لمسؤول عن هذا المال بين يدي الله فيما أنفقته؟ ألم تسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ” اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك” (رواه الحاكم).

ماذا تنتظر؟ إن الصحة التي أسبغها الله عليك يوشك أن تزول، والعافية التي أنت مسربل فيها يوشك أن تكون ضعفاً وشيبة؛ فماذا تنتظر؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: “بادروا بالأعمال الصالحة سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسيًا، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال ؛ فشر غائب ينتظر، أو الساعة ؛ فالساعة أدهى وأمر ” (رواه الترمذي).

ولله در أبا تراب علي حين قال: إن أخوف ما أخاف عليكم، اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق وأما طول الأمل فينسى الآخرة، ألا وإن الدنيا ارتحلت مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.

عش ما بدا لك سالماً في ظل شاهقة القصور

يجري عليك بما أردت مع الغدو مـع البكـور

فإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور

فهناك تعلم موقنــاً ما كنت إلا في غـرور

فيا عباد الله؛؛ يا كل قادر مستطيع! ألا تحج الآن وأنت مالك مالك، وأنت قادر على الإنفاق، قبل أن يأتي يوم فتقول: رَبِّ ارْجِعُونِ {99} لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ (المؤمنون: 99). فيرد عليك  كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (المؤمنون: 100).

عباد الله: ليعلم كل واحد منا أننا نهدم عمرنا منذ أن نزلنا من بطون أمهاتنا، واعلموا أن كل يوم يقربنا إلى الله، فلماذا لا تحج؟ لماذا؟ وإليك أسوق هذه القصة علها تجد في قلبك مكاناً، فيرق لها: لقي الفضيل بن عياض رجلاً فقال له الفضيل: كم عمرك؟ قال الرجل: ستون سنة. قال الفضيل: إذن أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله، يوشك أن تصل. قال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال الفضيل: يا أخي هل عرفت معناها؟ قال الرجل: نعم عرفت أني لله عبد وأني إليه راجع.

فقال الفضيل: يا أخي من عرف أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، عرف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسئول، ومن عرف أنه مسئول فليعد للسؤال جواباً.

ورحم الله سعدون المجنون حين قال واعظاً الرشيد:

هب الدنيا تواتيـك أليس الموت يأتيك

فما تصـنع بالدنيا وظل الميل يكفيـك

ألا يا طالب الدنيا دع الدنيا لشانـيك

كما أضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيك

عباد الله: ولعلي أذكركم بما رواه أحمد ابن عباس: ” من أراد أن يحج فليعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتكون الحاجة”، وفي رواية:”تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له”.

عباد الله؛ وأما لرسالة الثانية فهي إلى زوار بيت الله في كل عام، هذا النوع الذي اعتاد أن يزور بيت الله في كل عام، فلا يمر عليه عام إلا وهو حاج أو معتمر، بل وبعضهم يحج ويعتمر، ولئن كان هناك من عمر ستين سنة وجاوز السبعين والتسعين ولم يحج؛ فإن نوعاً لا ينقطع عن زيارة بيت الله الحرام كل عام، ولا ينفك من أن يكون حاجاً أو معتمراً، فلا تخطئه في ليلة السابع والعشرين من رمضان، ولا يوم عرفات أبداً، إنهم يعتمرون للمرة العشرين، و يحجون للمرة العاشرة أو الحادية عشر؛ بل قد تكون العشرين.

وهذا الصنف من الناس ترك الأفضل ومال إلى المفضول، وخالف الأحسن وأخذ بما دونه، وكان الأولى بهم أن يقدموا الأهم على المهم، والراجح على المرجوح، والأحسن على الحسن، ومتعدي النفع على قاصر النفع، ومصلحة الجماعة على مصلحة الشخص، وحاجة الأمة على حاجة الفرد.

يقول العز بن عبد السلام: واعلم أن تقديم الأصلح فالأصلح، ودرء الأفسد فالأفسد؛ مركوز في طبائع العباد نظراً من رب الأرباب… ولا يقدم الصالح على الأصلح إلا جاهل بفضل الأصلح، أو شقي متجاهل لا ينظر إلى ما بين المرتبتين من التفاوت.

وخطأ هذا الصنف من جهتين:

الجهة الأولى: أنهم يزاحمون إخوانهم في مناسك الحج؛ لقد رأينا الزحام يزداد موسماً بعد موسم وعاماً بعد عام، ولو ترك هذا النوع حج بيت الله من أجل التوسعة لإخوانه والتخفيف عنهم لكان أولى، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم:” إنما يرحم الله من عباده الرحماء ” (البخاري)، وقال ” الراحمون يرحمهم الرحمن” (أبو داوود).

الجهة الثانية: أن هذا النوع من الناس قد شغل نفسه بحال غيره، وأدخل نفسه في حال سواه، وقد قال بشر لهذا النوع من الناس لما سئل عن غني كثير الصوم والصلاة فقال: المسكين ترك حاله ودخل في حال غيره ‍وإنما حال هذا هو: إطعام الطعام للجياع، والإنفاق على المسكين، فهذا أفضل له من تجويعه نفسه، ومن صلاته لنفسه، من جمعه للدنيا ومنعه للفقراء.

وقد كان محقاً فقيه الصحابة في الكوفة عبد الله بن مسعود يوم أن قال مخبراً عن هذا الصنف: في آخر الزمان يكثر الحاج بلا سبب، يهون عليهم السفر، ويبسط لهم في الرزق، ويرجعون محرومين مسلوبين، يهوي بأحدهم بعيره بين الرمال والقفار وجاره مأسور على جنبه لا يواسيه.

ويذكر لنا الزاهد الورع عبد الله بن المبارك: أنه خرج مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر معهم، فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها فأخذت ذلك الطائر الميت، ثم لفته ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة. فقالت: أنا وأخي هنا ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام، وكان أبونا له مال فظلم وأخذ ماله وقتل، فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار. فقال: عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو، وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع.

والناظر إلى حال أمتنا الآن يرى أنها في أمس الحاجة إلى هذه الأموال التي تنفق في الحج ؛ ليسد بها جوع جائع، أو يستر بها جسد عارٍ، أو يداوى بها جسم مريض، أو يرفع بها بنيان مسجد، أو ينسخ بها كلمات مصحف، أو يكفل بها طفلاً يتيماً، أو يعف بها شاباً ناكحاً، أو يستر بها عرض مسلمة، أو يمسح بها دمعة محزون، أو يسد بها دين مدين، أو يضمد بها جرح منكوب، أو ينفس بها كربة مكروب، أو يرفع بها جهل جاهل، أو يهدي بها سبيل حائر.

وأخيرا عباد الله: ليس المقصود ترك الحج مطلقًا، ولكن:أدِّ الفريضة أولً، ثم وازن بين النوافل وحاجات الناس، واجعل مالك بابًا لرحمة الخلق…

واعلموا عباد الله، الحج ليس مجرد سفر؛ بل هو توبة، وبداية جديدة، وتجديد للعهد مع الله.

فيا من لم يحج: بادر قبل أن يُحال بينك وبين ذلك. ويا من يحج كل عام: انظر أين يكون نفعك أعظم.

اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام، واجعلنا من المقبولين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.