الاستقامة دليل القبول… فهل ستثبت؟

  • عناصر مقترحة:
  1. معنى الاستقامة وحقيقتها
  2. الاستقامة أمرٌ رباني:
  3. الاستقامة بعد الطاعة أعظم من الطاعة نفسها
  4. من علامات قبول رمضان: دوام الطاعة بعده
  5. حال السلف بعد المواسم (خوف + استمرار)
  6. خطر الانتكاسة بعد رمضان
  7. صور من عدم الثبات (ترك الصلاة، الرجوع للذنوب…)
  8. من وسائل الثبات:
  9. الثبات هو طريق النجاة
  • المقدمة: 

الحمد لله الذي أمر بالاستقامة ووعد عليها جنات النعيم، ونهى عن الانحراف وجعل عاقبته الخسران المبين، نحمده سبحانه على هدايته، ونستعينه على طاعته، ونستغفره من تقصيرنا وزلاتنا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

فيا عباد الله: إن القضية ليست: هل عبدت الله؟ بل هل ثبتَّ على عبادته؟ فكم من قائمٍ سقط، وكم من تائبٍ انتكس، وكم من قلبٍ عرف الطريق ثم ضلّ عنه!  إن أخطر ما يواجه المؤمن ليس بداية الهداية؛ بل دوامها حتى الممات.

  • معنى الاستقامة وحقيقتها: 

الاستقامة في حقيقتها: لزوم الصراط المستقيم ظاهرًا وباطنًا، مع ثبات القلب على الإيمان، واستمرار الجوارح على الطاعة، دون التفات إلى فتنة أو هوى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30]،  “ثم” هنا ليست ترتيبًا زمنيًا فقط، بل ترتيب ابتلاء واختبار، أي: ثبتوا بعد القول، ولم يتراجعوا عند الفتنة، قال ابن القيم: الاستقامة كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين كله. وقد روى مسلم عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ. قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثمّ اسْتَقِمْ.

والحق أن هذا الحديث أصل في باب الاستقامة، جمع الدين كله في كلمتين: عقيدة (آمنت بالله)، ومنهج حياة (ثم استقم).

  • الاستقامة أمرٌ رباني ثقيل: 

نعم إنها أمر رباني ثقيل، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112]، قال المفسرون:
هذه الآية من أشد ما نزل على النبي ﷺ، روى الترمذي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “شيبتني هود وأخواتها”، لماذا الشيب؟  لأن فيها تكليفًا بـ: الاستقامة الكاملة والدائمة، بلا انحراف… نعم، “كما أُمرت” تعني: لا تتبع هواك… لا تختار ما يناسبك… بل التزم بما أراد الله

  • الاستقامة بعد الطاعة أعظم من الطاعة نفسها:

يا عباد الله: الطاعة قد يفعلها الكثير، لكن الثبات عليها لا يقدر عليه إلا الصادقون، قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ [النحل: 92]،  هذا تصوير مرعب: تبني ثم تهدم، تطيع ثم تنكص، ولذلك روى الشيخان أن  النبي ﷺ قال: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل”، فالديمومة عند الله أحب من الكثرة المنقطعة، لأنها دليل صدق، وإخلاص، وثبات.

  • من علامات قبول رمضان: دوام الطاعة بعده:

قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]، قال الحسن البصري: أبى الله أن يجعل لعمل المؤمن أجلًا دون الموت…  فمن عبد الله في رمضان فقط فكأنه جعل لله موسمًا! وهذا خلاف معنى العبودية، قال بعض السلف: ثواب الحسنة الحسنة بعدها. لذلك فإن فمن علامة القبول: أن ترى نفسك بعد رمضان أكثر قربًا لا أكثر بعدًا… 

  • حال السلف: بين الخوف والاستمرار:

عباد الله: اسمعوا إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60]، وجل وخوف مع الطاعة لا مع المعصية، وجل ألا تقبل، وخوف أن ترد، روى الترمذي  عن عائشة رضي الله عنها قالت:
سألت النبي ﷺ عن هذه الآية، أهو الذي يسرق ويزني؟ فقال: “لا يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف ألا يُقبل منه”، لقد كانوا يجمعون بين: العمل والخوف، أما نحن فنجمع بين: التقصير والأمان!

  • خطر الانتكاسة: 

الانتكاسة ليست مجرد معصية، بل تحول في اتجاه القلب، وقد روى مسلم عن حُذَيْفَة قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ».  وتأمل: حتى ينتهي القلب إلى: قلب أبيض ثابت… أو قلب أسود منكوس…

إن  الانتكاسة تعني: موت المراقبة الإيمانية، واعتياد المعصية، وهنا يكون فقدان هيبة الله، وهناك تكون الكارثة وهي سوؤ الخاتمة، روى الشيخان، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»… إذن  الخطر الحقيقي هو  سوء الخاتمة بسبب عدم الثبات

  • صور من عدم الثبات:

وإن مما يؤلم ألا نثبت بعد رمضان، ومن صور عدم الثبات وعدم الاستقامة، أن يترك المرء الصلاة بعد أن كان محافظًا، والرجوع للذنوب الخفية بعد التوبة، وهجر القرآن بعد الأنس به، والانغماس في الشهوات بعد التزكية، وهذا الصنف نسى الله فأنساه الله نفسه، وقد قال سبحانه: {ولَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 19] أي: عاقبهم بأن حرمهم من الهداية.

  • وسائل الثبات:

ولذلك أيها الإخوة الكرام لا بد من وسائل للثبات، وأذكر لكم منها: 

  1. الافتقار الدائم إلى الله: وقد كان من دعاء النبي ﷺ كما روى الترمذي:
    “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”، فاعلم يا مسكين أن الثبات ليس بذكائك بل بتوفيق الله.
  2. الاستمرار المنضبط: نعم انضباط في الطاعة كما هو انضباط في الطعام والشراب، روى الشيخان عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ». وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ…..
  3.   الصحبة الصالحة: وما المرء إلا صاحب، وما الصاحب إلا ساحب، والله يقول: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]، انظر هذا خطاب الله لحبيبه صلى الله عليه وسلم؛ فكيف بنا، ولهذا قال الحبيب: “المرء  على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. رواه أبو داود 
  4.  تجديد الإيمان: نعم تجديد العهد مع الله، والنظر فيما أنت عليه أيها الأخ الحبيب، وقد روى الحاكم عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ… 
  • وأخيرا: أيها الإخوة الكرام: 

اعلموا أن الثبات هو طريق النجاة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا
تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أتدرون  متى؟ عند الموت… عند أشد لحظة! تبشرهم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ هذا جزاء الثبات لا البداية.

فيا عبد الله: ليس السؤال: هل صمت؟ بل: هل ثبتّ بعد الصيام؟ ليس السؤال: هل بكيت؟
بل: هل تغيّرت؟  وتذكروا أن الشيطان لا يحزن أن تعبد الله يومًا؛ لكنه يحزن أن تستقيم عمرًا. فإن كنت صادقًا فاثبت… وإن كنت خائفًا فالزم الباب… وإن سقطت فانهض ولا تستسلم….

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك… 

اللهم لا تجعلنا ممن عرفك ثم تركك…

اللهم ارزقنا حسن الخاتمة…

اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله….